عمر بن علي بن عادل الدمشقي الحنبلي

207

اللباب في علوم الكتاب

وبيّن في هذه الآية أن أولئك المكذّبين إن ضمّوا إلى كفرهم وتكذيبهم الاستهزاء بالدّين والطّعن في الرسول ، فإنه يجب الإعراض عنهم ، وترك مجالستهم . قوله : وَإِذا رَأَيْتَ الَّذِينَ يَخُوضُونَ فِي آياتِنا فَأَعْرِضْ عَنْهُمْ حَتَّى يَخُوضُوا فِي حَدِيثٍ غَيْرِهِ فقيل : الخطاب للنبي صلى اللّه عليه وسلم والمراد به غيره . وقيل : الخطاب لغيره ، أي : إذا رأيت أيها السّامع الذين يخوضون في آياتنا . نقل الواحديّ « 1 » أنّ المشركين كانوا إذا جالسوا المؤمنين وقعوا في رسول اللّه صلى اللّه عليه وسلم والقرآن فشتموا واستهزءوا فأمرهم ألّا يقعدوا معهم حتى يخوضوا في حديث غيره . والخوض في اللغة عبارة عن المفاوضة على وجه اللّعب والعبث . قال تعالى حكاية عن الكفار : وَكُنَّا نَخُوضُ مَعَ الْخائِضِينَ [ المدثر : 45 ] وإذا قال الرجل : تركت القوم يخوضون أفاد أنهم شرعوا في كلمات لا ينبغي ذكرها . قوله : « إذا » منصوب بجوابها ، وهو « فأعرض » ؛ أي : فأعرض عنهم في هذا الوقت و « رأيت » هنا تحتمل أن تكون البصريّة ، وهو الظاهر ، ولذلك تعدّت لواحد . قال أبو حيّان « 2 » : « ولا بدّ من تقدير حال محذوفة ، أي : وإذا رأيت الذين يخوضون في آياتنا ، وهم خائضون فيها ، أي : وإذا رأيتهم ملتبسين بالخوض فيها » . انتهى . قال شهاب الدّين « 3 » : ولا حاجة إلى ذلك ؛ لأن قوله : « يخوضون » مضارع ، والراجح حاليّته وأيضا فإن « الَّذِينَ يَخُوضُونَ » في قوّة الخائضين ، واسم الفاعل حقيقة في الحال بلا خلاف ، فيحمل هذا على حقيقته ، فيستغنى عن حذف هذه الحال التي قدّرها وهي حال مؤكدة . ويحتمل أن تكون علمية ، وضعّفه أبو حيان « 4 » بأنه يلزم منه حذف المفعول الثاني ، وحذفه إما اقتصار ، وإما اختصار ، فإن كان الأوّل : فممنوع اتفاقا وإن كان الثاني : فالصحيح المنع حتى منع ذلك بعض النحويين . قوله : « غيره » « الهاء » فيها وجهان : أحدهما : أنها تعود على الآيات ، وعاد مفردا مذكرا ؛ لأن الآيات في معنى الحديث والقرآن . وقيل : إنها تعود على الخوض ، أي : المدلول عليه بالفعل كقوله : [ الوافر ] 2196 - إذا نهي السّفيه جرى إليه * وخالف والسّفيه إلى خلاف « 5 » أي : جرى إلى السّفه ، دلّ عليه الصّفة كما دلّ الفعل على مصدره ؛ أي : حتى يخوضوا في حديث غير الخوض .

--> ( 1 ) ينظر : الرازي 13 / 21 . ( 2 ) ينظر : البحر المحيط 4 / 157 . ( 3 ) ينظر : الدر المصون 3 / 87 . ( 4 ) ينظر : البحر المحيط 4 / 157 . ( 5 ) تقدم .